عبد الملك الجويني
262
الشامل في أصول الدين
معترضا كان اتصال الشعاع على وجه آخر . والذي يوضح ذلك : أن هذا الخط إذا وقف بعض الناظرين على طوله ، ووقف بعضهم على عرضه ، فالذي قدره الجبائي مع اختلاف المنظرتين يتحقق في هذه الصورة مع استحالة اختلاف يوهم في التأليفات . وكان لو وقف الواحد على رأس الخط ونظر إليه طولا ، ثم انعرج هو بعينه ووقف بإزاء الخط عرضا ، فربما يخيل إليه بخلاف في المنظرتين وإن لم تتبدل التأليفات . واعترض أيضا على استدلال أبيه باختلاف الأشكال فقال : اختلاف المناظر فيها يرجع إلى اختلاف إيصال الأشعة كما قدمناه . والذي يوضح ذلك : أن الشكل المربع يمكن أن يقطع على هيئات الأشكال ، ثم إذا قطع بطل بعض تأليفاته والباقي منها لم يختلف ولم تنقلب أجناسها وإن كانت المناظر تختلف ، وهذا واضح في الرد على الجبائي . والمسألة الخامسة تشتمل على فرع متشعب من اليبوسة والرطوبة . وقد ذكرنا أن معظم المعتزلة صاروا إلى أن الرطوبة واليبوسة ليسا شرطين في ثبوت التأليف ، وأن المجاورة بمجردها تولد التأليف . وإذا تمهد ذلك فقد وجه على الصائرين إلى هذا المذهب سؤال ، ويتبين بانفصالهم عنه اختلافهم في حكم من أحكام التأليف . وذلك أنهم قيل لهم : إذا صرتم إلى أن المجاورة تولد التأليف ، ونحن نعلم أن تفكيك بعض الأجسام يصعب من تفكيك بعض ، فلم كان ذلك ؟ فاختلفت أجوبة المعتزلة . فأما الجبائي فقد حمل ذلك على اختلاف التأليفات . وقد قدمنا من أصله أنها مختلفة ، وإنما يصعب تفكيك بعض الأجسام ويسهل تفكيك بعضها لاختلاف جنس التأليف . وذهب أبو هشام إلى أن ذلك يرجع إلى قلة التأليفات في بعض الأجسام وكثرتها في بعضها ، فما قلت فيه التأليفات كان تفكيكه أسهل ، وما كثرت فيه التأليفات ، صعب تفكيكه . ثم ما ذكرناه من كثرة التأليفات وقلتها ينقسم إلى وجهين : فقد يراد به قيام تأليفين فصاعدا بجزءين وقيام تأليف واحد بجزءين آخرين وهذا يأباه الجبائي . فلا يجوز أن يقوم بجزءين أكثر من تأليف واحد . وجوز كافة المعتزلة قيام تأليفين بجوهرين بشرط أن يكون كل تأليف قام بهما . وقد تحمل كثرة التأليفات وقلتها على محمل آخر ، فيقال : إذا اشتمل جسم على عشرة من الجواهر وكلها متألفة واشتمل جسم آخر على عشرة أيضا ، ولكن بعض أجزائه تألف ، وبعضها منفرج ، فتفكيك مثل هذا الجسم أسهل لا محالة .